أبي منصور الماتريدي

7

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لطائف وفواضل باقية ، لم يعطنا ما لو أعطانا لم يصدر منا إلا الخير والطاعات ؛ وسلمنا عن المعاصي وأنواع الشرور ، وعصمنا ؛ فيجب أن نكون متكلين على الطاعات ؛ لنصل إلى تلك اللطائف ، وهم لا يرون بقي عنده شيء من اللطائف ، بل يقولون : قد أعطانا كل شيء حتى لم يبق عنده شيء من مصالح الدين ؛ فيجب أن يكونوا ما ذكرنا ، واللّه أعلم . ثم قولنا : إن اللّه تعالى ينجينا برحمته وبشفاعة من جعل له الشفاعة لا بأعمالنا ، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللّه » ، قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ ! قال : « ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » ، والمعتزلة يقولون : لا ، بل ندخل بأعمالنا ، وكذلك قول الخوارج . وأصل قولنا : إن اللّه - عزّ وجل - أن يعذب عباده على جميع المعاصي : على الصغائر والكبائر جميعا ، وله أن يغفر جميع المعاصي سوى الشرك والكفر ، على ما ذكرنا من دلائل الآيات وغيرها . وقوله : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً . قوله : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً فرحمة الدنيا يدخل فيها الكافر والمؤمن جميعا ، فأما رحمة الآخرة ، فهي للمؤمنين خاصة ، هو كما ذكر في قصة موسى - عليه السّلام - حيث قال : وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ . . . إلى قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . الآية [ الأعراف : 156 ] ، وكقوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الأعراف : 32 ] ، كأنه يقول : قل هي للذين آمنوا ، والذين لم يؤمنوا ، ثم هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة ؛ فعلى ذلك قوله : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً [ غافر : 7 ] هي رحمة الدنيا : المؤمن والكافر جميعا في تلك ، فأما رحمة الآخرة ليست إلا للذين آمنوا ، واللّه أعلم . وقوله : وَعِلْماً أي : علم ما فيها . وقوله - عزّ وجل - : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يحتمل وجوها : أحدها : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك ، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أي : دينك ، [ و ] هو الإسلام . والثاني : أي : فاغفر للذين تابوا عن الكبائر والفواحش وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أي : طاعتك . والثالث : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا عن جميع المعاصي صغائر أو كبائر واتبعوا طاعتك ،